النويري
184
نهاية الأرب في فنون الأدب
عنّى الناس من الموالى والحرس وغيرهم ، ولا آمن إن انتهى الخبر إلى طاهر أن يدخل علىّ ويأخذنى ، وخرج بعد العشاء الآخرة ليلة الأحد ، لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة ، إلى صحن الدار وعليه ثياب بيض وطيلسان أسود ، فدعا بابنيه فضمّهما إليه وقبّلهما وبكى ، وقال : استودعكما اللَّه ، ثم جاء راكبا إلى الشط فإذا حرّاقة هرثمة فصعد إليها ، فذكر أحمد بن سلام صاحب المظالم قال : كنت مع هرثمة في الحرّاقة ، فلما دخلها الأمين قمت له ، وجثى هرثمة على ركبتيه واعتذر له من نقرس به ، ثم احتضنه هرثمة وضمّه وجعله في حجره وجعل يقبّل يديه ورجليه وعينيه ، وأمر هرثمة الحراقة أن تدفع ، فشدّ علينا أصحاب طاهر في الزوارق ونقبوا الحرّاقة ، ورموا بالآجر والنشاب فغرقت الحرّاقة ، وسقط هرثمة إلى الماء وسقطنا ، فتعلَّق الملاح بشعر هرثمة فأخرجه ، وأما الأمين فإنّه شق ثيابه لما سقط في الماء ، قال أحمد بن سلام : وخرجت أنا إلى الشط فأخذني رجل من أصحاب طاهر ، فأتى بي إلى رجل آخر من أصحابه ، وأعلمه أنّى من الذين خرجوا من الحرّاقة ، فسألني : من أنا ؟ فقلت : أنا أحمد بن سلام صاحب المظالم مولى أمير المؤمنين ، قال : كذبت ، فاصدقنى ، قلت : قد صدقتك ، قال ما فعل المخلوع ، قلت : رأيته قد شق ثيابه فركب ، وأخذني معه أعدو وفى عنقي حيل فعجزت عن العدو ، فأمر بضرب عنقي فاشتريت نفسي منه بعشرة آلاف درهم ، فتركني في بيت حتى يقبض المال ، وفى البيت بوارى وحصر مدرجة ووسادتان ، فلما ذهب من الليل ساعة وإذا الباب قد فتح ، وأدخل الأمين وهو عريان وعليه سراويل وعمامة ، وعلى كتفه خرقة خلقة ، فلما رأيته استرجعت وبكيت في نفسي ، فسألني عن اسمى فعرّفته ، فقال : ضمّنى إليك فإني أجد وحشة شديدة ، قال : فضممته وإذا قلبه يحفق ، فقال : يا أحمد - ما فعل أخي . قلت : حىّ ، قال : قبّح اللَّه بريدهم ! ! كان يقول قد مات - شبه المعتذر من محاربته ، فقلت : بل قبّح اللَّه